تتمثل إحدي العلامات الفارقة بين الدول المتقدمة والدول النامية في الإدارة خاصة الإدارة الرشيدة والفاعلة للموارد وللوقت وللبشر بصفة خاصة العاملين منهم, ولا يقتصر ذلك علي قطاع الدولة, إذ ما يسمي بالجهاز الإداري للدولة وما يرتبط به من إدارة وتوجيه ومتابعة وتقييم للسياسات العامة, ولكنه يمتد إلي القطاع الخاص والشركات الكبري والمجتمع المدني بمؤسساته وتنظيماته المهنية والحرفية, وفوق ذلك, فإن المنظمات الدولية وعلي رأسها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ووكالات الأمم المتحدة تستند في أنشطتها وفاعليتها علي الإدارة الفاعلة والرشيدة والإدارة بالأهداف والنتائج.ولاشك أن الإدارة الناجحة هي التي تعظم الموارد الطبيعية وتعلي من شأن المعارف والمهارات للموارد البشرية, وتعين المجتمع علي الإعلاء من معدلات النمو الاقتصادي, وذلك بالتعبئة الشاملة وراء الأهداف القومية العليا التي حيدها صناع القرار.ومنذ منتصف سبعينيات القرن الماضي, وعلي مشارف الانفتاح والاحتكاك المصري بالعالم, دار حوار ثري داخل دوائر صنع القرار وبين المثقفين حول نوع الإدارة المطلوبة لتسيير عمليات التحول الاقتصادي الكبري من النظام الاشتراكي وسيادة القطاع العام إلي النظام الحر, استنادا إلي الليبرالية الاقتصادية, وأنشئت وزارة للتنمية الإدارية آنذاك, تولاها وزير متخصص في الإدارة الحديثة, ودار الحديث حول الإدارة بالأهداف والإدارة بالنتائج, ويحل العمل الجاد كأسلوب للارتقاء والترقي محل مجرد الأقدمية في العمل أو شبكات المعارف أو أساليب البرطلة والثقة, ومع ذلك لم يتم تطبيق ذلك عمليا نظرا لأنها تتطلب تغييرا فكريا وثقافيا قبل تعديل القوانين واللوائح, كما تستلزم بالضرورة الفصل بين الإدارة والسياسة, وأن الانتماء الحزبي وحده بما يتضمنه من ولاء لا يمكن أن يكون معولا لتولي الوظائف القيادية في الإدارة لأن ذلك يعني ضعف المساءلة الإدارية في تحقيق الجودة والارتقاء بنوعية الأداء, فإن الإدارة في مصر قد صارت إدارة بالكاد, بمعني الأداء الشكلي دون الجودة وبعيدا عن الإبداع والابتكار أو حتي تحقيق منطوق اللوائح والقوانين.ويبدو ذلك جليا بالنظر إلي إدارة الموارد الطبيعية والبشرية وإدارة الوقت وإدارة الأزمات, بل وإدارة وتطبيق القوانين المنفذة للسياسة العامة, ففي ذلك كله تتسم الإدارة بضيق الأفق, والانغلاق علي الذات, وتدني سقف الجودة, ومن ثم الانغماس في التخلف والاتجاه نحو المزيد من العزلة والبعد عن المعايير العالمية للجودة, وتجنب المساءلة والاكتفاء بالشكل دون المضمون.ولقد حاولت الحكومة الحالية بإنشائها وزارة متخصصة في التنمية الإدارية أن ترتقي بالإدارة, بيد أن تلك الوزارة ذاتها لم تفلح في تطوير الأداء, وأقلعت عن تقديم مشروع قانون الوظيفة العامة إلي البرلمان لمناقشته, وإصداره واكتفت كغيرها بالمظاهر الشكلية للإدا رة كإصدار الوثائق إلكترونيا, وحتي في ذلك لم تقم بالارتقاء بالموارد البشرية المسئولة عن هذه الأنشطة, فصار سقف الجودة متدنيا وإمكانات الإبداع والابتكار محدودة للغاية.وفي ظل الحكومة الإلكترونية والتي لم تطور فعليا إدارة الموارد الطبيعية والبشرية, مرة أخري انحصرت الجودة تحت سقف متدن بعيدا كل البعد عما هو عالمي أو حتي إقليمي, وفي هذا الشأن, علينا أن نقارن خطوات إنشاء شركة جديدة, أو السماح بتصدير أو استيراد سلعة ما بما يوجد في دول مجاورة كالأردن وتونس ولبنان ومناطق وأقاليم مثل دبي, في هذا الشأن, فإن سقف الجودة لديهم أعلي بكثير مما لدينا لأنهم وضعوا هدفهم في للحاق بالمستويات العالمية وليس مجرد تطوير الأداء المحلي لمستوي أعلي بالكاد مما هو قائم الآن.يضاف إلي ذلك, عدم وجود رؤية واضحة لإدارة الموارد البشرية فيما يطلق عليهonjoptraining, ولا توجد برامج أو مؤسسات أو هيئات في مصر متخصصة في ذلك, كما لم تحاول المؤسسات التعليمية أن تشارك مؤسسات دولية متخصصة في تصميم وإدارة برامج لهذا الغرض.وترتيبا علي ذلك, ظهر القصور الإداري في إدارة الأزمات والكوارث وبدلا من محاولة الارتقاء بسقف الأداء والاستفادة من الخبرات الدولية, تقوقعنا في المحلية المتدنية وذلك بالتمسك بالإدارة بالكاد لأنها تستقيم مع عدم تحديد المسئولية أو تحمل المساءلة, وتستهوي أولئك الذين يستمرءون الوضع القائم ويخشون ما يمكن أن يترتب علي الإدارة بالأهداف والنتائج من مساءلة وما ينجم عنها من تغيير مواقع ومراكز ووظائف.إن الإدارة بالكاد للسياسات العامة تؤدي إلي تمكين الفساد وتكريس العجز عن المنافسة الإقليمية والدولية وزيادة الفجوة بين مصر والدول الأخري, والإدارة بالكاد مدعاة إلي انتشار الفساد والإفساد, ولاشك أن تعظيم الموارد الوطنية واستدامة معدل النمو الاقتصادي الراهن وزيادته, والإعلاء من الدور الإقليمي والدولي لمصر يستلزم الإفلات من الإدارة بالكاد إلي الإدارة بالأهداف والنتائج وما يترتب عليها من تحديد دقيق لكل من المسئولية والمساءلة.. نحن مسئولون عن تحرير الجيل الجديد من نمط الإدارة المتدني, وتدريبه علي الموارد الحديثة التي تعلي من شأنه ومن شأن الوطن
المصدر: الاهرام 9/10/2008 ص11
مرسلة بواسطة: ايمان علي، رغدة محمود، هالة رضوان.
المصدر: الاهرام 9/10/2008 ص11
مرسلة بواسطة: ايمان علي، رغدة محمود، هالة رضوان.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق