الجمعة، 17 أكتوبر 2008

المصريون والعالم‏..‏ الإدارة بالكاد

تتمثل إحدي العلامات الفارقة بين الدول المتقدمة والدول النامية في الإدارة خاصة الإدارة الرشيدة والفاعلة للموارد وللوقت وللبشر بصفة خاصة العاملين منهم‏,‏ ولا يقتصر ذلك علي قطاع الدولة‏,‏ إذ ما يسمي بالجهاز الإداري للدولة وما يرتبط به من إدارة وتوجيه ومتابعة وتقييم للسياسات العامة‏,‏ ولكنه يمتد إلي القطاع الخاص والشركات الكبري والمجتمع المدني بمؤسساته وتنظيماته المهنية والحرفية‏,‏ وفوق ذلك‏,‏ فإن المنظمات الدولية وعلي رأسها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ووكالات الأمم المتحدة تستند في أنشطتها وفاعليتها علي الإدارة الفاعلة والرشيدة والإدارة بالأهداف والنتائج‏.‏ولاشك أن الإدارة الناجحة هي التي تعظم الموارد الطبيعية وتعلي من شأن المعارف والمهارات للموارد البشرية‏,‏ وتعين المجتمع علي الإعلاء من معدلات النمو الاقتصادي‏,‏ وذلك بالتعبئة الشاملة وراء الأهداف القومية العليا التي حيدها صناع القرار‏.‏ومنذ منتصف سبعينيات القرن الماضي‏,‏ وعلي مشارف الانفتاح والاحتكاك المصري بالعالم‏,‏ دار حوار ثري داخل دوائر صنع القرار وبين المثقفين حول نوع الإدارة المطلوبة لتسيير عمليات التحول الاقتصادي الكبري من النظام الاشتراكي وسيادة القطاع العام إلي النظام الحر‏,‏ استنادا إلي الليبرالية الاقتصادية‏,‏ وأنشئت وزارة للتنمية الإدارية آنذاك‏,‏ تولاها وزير متخصص في الإدارة الحديثة‏,‏ ودار الحديث حول الإدارة بالأهداف والإدارة بالنتائج‏,‏ ويحل العمل الجاد كأسلوب للارتقاء والترقي محل مجرد الأقدمية في العمل أو شبكات المعارف أو أساليب البرطلة والثقة‏,‏ ومع ذلك لم يتم تطبيق ذلك عمليا نظرا لأنها تتطلب تغييرا فكريا وثقافيا قبل تعديل القوانين واللوائح‏,‏ كما تستلزم بالضرورة الفصل بين الإدارة والسياسة‏,‏ وأن الانتماء الحزبي وحده بما يتضمنه من ولاء لا يمكن أن يكون معولا لتولي الوظائف القيادية في الإدارة لأن ذلك يعني ضعف المساءلة الإدارية في تحقيق الجودة والارتقاء بنوعية الأداء‏,‏ فإن الإدارة في مصر قد صارت إدارة بالكاد‏,‏ بمعني الأداء الشكلي دون الجودة وبعيدا عن الإبداع والابتكار أو حتي تحقيق منطوق اللوائح والقوانين‏.‏ويبدو ذلك جليا بالنظر إلي إدارة الموارد الطبيعية والبشرية وإدارة الوقت وإدارة الأزمات‏,‏ بل وإدارة وتطبيق القوانين المنفذة للسياسة العامة‏,‏ ففي ذلك كله تتسم الإدارة بضيق الأفق‏,‏ والانغلاق علي الذات‏,‏ وتدني سقف الجودة‏,‏ ومن ثم الانغماس في التخلف والاتجاه نحو المزيد من العزلة والبعد عن المعايير العالمية للجودة‏,‏ وتجنب المساءلة والاكتفاء بالشكل دون المضمون‏.‏ولقد حاولت الحكومة الحالية بإنشائها وزارة متخصصة في التنمية الإدارية أن ترتقي بالإدارة‏,‏ بيد أن تلك الوزارة ذاتها لم تفلح في تطوير الأداء‏,‏ وأقلعت عن تقديم مشروع قانون الوظيفة العامة إلي البرلمان لمناقشته‏,‏ وإصداره واكتفت كغيرها بالمظاهر الشكلية للإدا رة كإصدار الوثائق إلكترونيا‏,‏ وحتي في ذلك لم تقم بالارتقاء بالموارد البشرية المسئولة عن هذه الأنشطة‏,‏ فصار سقف الجودة متدنيا وإمكانات الإبداع والابتكار محدودة للغاية‏.‏وفي ظل الحكومة الإلكترونية والتي لم تطور فعليا إدارة الموارد الطبيعية والبشرية‏,‏ مرة أخري انحصرت الجودة تحت سقف متدن بعيدا كل البعد عما هو عالمي أو حتي إقليمي‏,‏ وفي هذا الشأن‏,‏ علينا أن نقارن خطوات إنشاء شركة جديدة‏,‏ أو السماح بتصدير أو استيراد سلعة ما بما يوجد في دول مجاورة كالأردن وتونس ولبنان ومناطق وأقاليم مثل دبي‏,‏ في هذا الشأن‏,‏ فإن سقف الجودة لديهم أعلي بكثير مما لدينا لأنهم وضعوا هدفهم في للحاق بالمستويات العالمية وليس مجرد تطوير الأداء المحلي لمستوي أعلي بالكاد مما هو قائم الآن‏.‏يضاف إلي ذلك‏,‏ عدم وجود رؤية واضحة لإدارة الموارد البشرية فيما يطلق عليه‏onjoptraining,‏ ولا توجد برامج أو مؤسسات أو هيئات في مصر متخصصة في ذلك‏,‏ كما لم تحاول المؤسسات التعليمية أن تشارك مؤسسات دولية متخصصة في تصميم وإدارة برامج لهذا الغرض‏.‏وترتيبا علي ذلك‏,‏ ظهر القصور الإداري في إدارة الأزمات والكوارث وبدلا من محاولة الارتقاء بسقف الأداء والاستفادة من الخبرات الدولية‏,‏ تقوقعنا في المحلية المتدنية وذلك بالتمسك بالإدارة بالكاد لأنها تستقيم مع عدم تحديد المسئولية أو تحمل المساءلة‏,‏ وتستهوي أولئك الذين يستمرءون الوضع القائم ويخشون ما يمكن أن يترتب علي الإدارة بالأهداف والنتائج من مساءلة وما ينجم عنها من تغيير مواقع ومراكز ووظائف‏.‏إن الإدارة بالكاد للسياسات العامة تؤدي إلي تمكين الفساد وتكريس العجز عن المنافسة الإقليمية والدولية وزيادة الفجوة بين مصر والدول الأخري‏,‏ والإدارة بالكاد مدعاة إلي انتشار الفساد والإفساد‏,‏ ولاشك أن تعظيم الموارد الوطنية واستدامة معدل النمو الاقتصادي الراهن وزيادته‏,‏ والإعلاء من الدور الإقليمي والدولي لمصر يستلزم الإفلات من الإدارة بالكاد إلي الإدارة بالأهداف والنتائج وما يترتب عليها من تحديد دقيق لكل من المسئولية والمساءلة‏..‏ نحن مسئولون عن تحرير الجيل الجديد من نمط الإدارة المتدني‏,‏ وتدريبه علي الموارد الحديثة التي تعلي من شأنه ومن شأن الوطن‏
المصدر: الاهرام 9/10/2008 ص11

مرسلة بواسطة: ايمان علي، رغدة محمود، هالة رضوان.

ليست هناك تعليقات: